متابعات إفريقية، العدد الخامس والأربعون

المحرر: د. محمد السبيطلي

يتضمن هذا العدد الذي نضعه بين يدي القارئ، مجموعة من الأوراق العلمية، التي تستعرض بعض أوجه التفاعل التاريخي بين شعوب القارة الإفريقية، والثقافة العربية. وقد جرت هذه المثاقفة في مراحل متعددة من التاريخ المشترك، عبر هجرات متقطعة، قامت بها بعض القبائل والجماعات العربية، التي استقرت في المناطق الواقعة بشرق القارة، سواء على السواحل الغربية للبحر الأحمر أو على الضفاف الإفريقية للمحيط الهندي وأسفر التمازج والتواصل المباشر بين العرب والأفارقة، عن نشوء لغات ومجتمعات جديدة، وظهور مدن ذات أنماط عمرانية غنية، ولها فنون وآداب وخصائص ثقافية مميزة، كما نتج عن هذا التفاعل انتشار ظاهرة الاقتراض اللغوي في العديد من اللغات الإفريقية، حتى إن لغات غربي إفريقيا، تكاد لا تخلو من تأثيرات عربية متفاوتة، تبعا لقوة العوامل المؤثرة. وقد امتد هذا التواصل بين ضفتي البحر الأحمر إلى وسط وغرب إفريقيا، كما تم أيضا عبر أقطار المغرب العربي، وخاصة من خلال بلاد شنقيط، في إطار تمدد الدول والعلاقات التجارية المكثفة، والتبادل الثقافي الغزير الأمر الذي أتاح لمجتمعات غربي إفريقيا - التي كانت تعرف بالسودان الغربي - بناء قاعدة ثقافية صلبة، استندت إليها لاحقا في مقاومة الاستعمار الغربي. واهتم العدد الجديد كذلك بجملة من القضايا الإفريقية المعاصرة، وفي مقدمتها الملفات الأمنية والاقتصادية وهي ملفات تعبر عن أزمات مركبة تتداخل فيها الأبعاد السياسية والثقافية، مع الجوانب الاقتصادية والأمنية. وفي هذا السياق، تناولت بعض أوراق العدد العلاقة بين التنظيمات الإرهابية والجريمة المنظمة في الساحل الإفريقي، كما رصدت إحدى الدراسات تطور الأوضاع العامة في إفريقيا في ظل التنافس الدولي المتصاعد، وفي هذا الإطار جاءت ورقة العلاقات الاقتصادية الروسية - الإفريقية الفرص والتحديات في ظل التنافس الدولي. ويتقاطع هذا التنافس الدولي مع تدافع إقليمي شديد يضع العلاقات البينية بين عدد من دول القارة على حافة الصدام، نتيجة عدم تسوية ملفات حدودية قديمة، وتراكم عوامل الاحتكاك المرتبطة بتطلعات جيوسياسية، ونزاعات إثنية، وتدخلات خارجية، وهذا ما يجعل ملف العلاقات الإثيوبية - الإريترية أحد أكثر الملفات المفتوحة تهديدا لأمن واستقرار القرن الإفريقي والبحر الأحمر. وفي هذا السياق قدمت إحدى الأوراق قراءة في سياقات وتداعيات هجوم قوات التيغراي على إقليم عفر، في نوفمبر من هذا العام، فيما تناولت ورقة أخرى ملابسات التقارب المستجد بين الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وأسمراء في مواجهة الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا، وذلك في ضوء توجه الأخيرة نحو البحث عن منفذ بحري، يتيح لها امتلاك أحد الموانئ الإريترية على سواحل البحر الأحمر، مع ما يصاحب ذلك من ادعاءات حول أحقية السيادة عليه. ويختتم هذا العدد بمجموعة من عروض الكتب التي أختيرت بعناية، لتتسق موضوعاتها مع المحاور المركزية، التي تناولتها الدراسات المنشورة فيه. وتأتي هذه العروض، لتمنح القارئ فرصة أرحب، الغوص في قراءات معمقة، تغني فهمه للفضاء الإفريقي، وتفتح أمامه آفاقا جديدة لمتابعة تطورات القارة في سياقاتها التاريخية والمعاصرة.