الصحراء في شِعر محمد الثبيتي ما بين الوظيفتَيْن الجماليّة والثقافيّة

رقم: 83/84
د. هبة البيتي

 هذه الورقة تفترض أن الصحراء لم تكن مساحة جغرافية بالنسبة للثبيتي، بل كانت الصحراء تمشي في قصيدته كأنها كائن حي يتحرّك باحثًا عن نفسه في صوت الشاعر ومنتظرًا رجع الصدى من قصيدته. فعلى الرغم من أن الصحراء كانت تسكن حنايا حروفه لكنها كانت أيضًا تتبعه وتشحذ رمالها خطواته؛ «أتيتُ أركض والصحراء تتبعني، وأحرف الرمل تجري بين خُطواتي» إن عملية خلق تلك الصحراء المتخيلة من قبل الشاعر هي دليل ضمني على إلحاح اغترابه الوجودي، هذا عدا كونها وسيلته المقاومة لذلك الاغتراب والتكيف معه. بمعنى آخر؛ إن الشاعر من خلال قصيدته يحاول جعل الصحراء / صحراءه وطنًا له، لأنه منفي داخله ويحاول إيجاد بديل مُتخيَّل يعوّضه ويُخفّف عنه قسوة اغترابه. تلك الصحراء المتخيلة التي يخلقها الشاعر تصبح أيضًا ملتقى المغتربين ودرعا لهم. يجتمع المغتربون حول صحراء الثبيتي لأنهم يجدون فيها انعكاسًا ورمزًا للغربة الوجودية والتيه الوجداني الذي يعانونه في رحلتهم للوصول للمعنى عبر الحياة. وبهذا يكون للصحراء في شعره / قصائده، بالإضافة إلى الوظيفة الجمالية، وظيفة ثقافية وجدانية، وهو توفير ذلك البديل لكل الباحثين عن صيغة أكثر رفقًا من الصورة الواقعية. من هذا الباب، سيحاول البحث تناول الصحراء في شعر محمد الثبيتي كمكون من عناصر ثقافة الجزيرة العربية. فدراسة قصائد الثبيتي وتأمل مشروعه الشعري هو بالنتيجة دراسة للثقافة التي أنتجته والبيئة الصحراوية التي يعكسها، لأن فصل الجانب الأدبي عن الاجتماعي والثقافي يكاد يكون مستحيلًا. هذا ما يؤكده سعد الصويان؛ لذا يصبح الحديث عن مضامين الشعر وصوره ومعانيه حديثا عن مضامين الثقافة ومركباتها ومكوناتها، مادية وعقلية ونفسية. ومن هنا يصعب فصل المباحث اللغوية والأدبية عن المباحث الاجتماعية والثقافية». إذن الصحراء في شعر الثبيتي هي ليست مكانا بحد ذاته، بل مساحة متخيلة في المقام الأول. تلك المساحة بالنسبة له ملاذ من الاغتراب الوجودي المتولد من الصراع ما بين ثنائية المدينة والصحراء ورمز لذلك الاغتراب في آن.